الغزالي
123
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
والرابع : إذا اضطربت قلوبكم بشيء فاجتنبوه ، فإني حين أكلت من الشجرة اضطرب قلبي فلم أرجع ، فلحقني الندم . والخامس : استشيروا في الأمور ، فإني لو شاورت الملائكة لم يصبني ما أصابني . وقال مجاهد : قال لي عبد اللّه بن عمر : إذا أصبحت فلا تحدّث نفسك بالمساء ، وإذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح ، وخذ من حياتك قبل موتك ، ومن صحّتك قبل سقمك « 1 » ، فإنك لا تدري ما اسمك غدا . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه : « أيريد كلّكم أن يدخل الجنة ؟ » قالوا : نعم يا رسول اللّه . قال : « قصّروا الأمل ، واستحيوا من اللّه حقّ الحياء » قالوا : كلّنا نستحي من اللّه تعالى . قال : « ليس ذلك بالحياء ولكن الحياء من اللّه تعالى أن تذكروا المقابر والبلى ، وتحفظوا الجوف وما وعى ، والرأس وما حوى » ومن يشتهي كرامة الآخرة ، يدع زينة الدنيا ، فهنالك استحياء العبد من اللّه حقّ الحياء ، وبها يصيب العبد ولاية اللّه تعالى . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « صلاح أوّل هذه الأمة بالزهد واليقين ، وهلاك آخرها بالبخل والأمل » . وروي عن أم المنذر أنها قالت : طلع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات عشية إلى الناس فقال : « أيّها الناس ! أما تستحيون من اللّه ؟ » قالوا : وما ذاك يا رسول اللّه ؟ قال : « تجمعون ما لا تأكلون ، وتأملون ما لا تدركون ، وتبنون ما لا تسكنون » . . وعن أبي سعيد الخدري قال : اشترى أسامة بن زيد من زيد بن ثابت وليدة بمائة دينار إلى شهر ، فسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر ؟ إنّ أسامة لطويل الأمل . والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفويّ لا يلتقيان حتى يقبض اللّه روحي ، ولا رفعت طرفي فظننت أني واضعه حتى أقبض ، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغصّ بها من الموت » ثم قال : « يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدّوا أنفسكم من الموتى ، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين » .
--> ( 1 ) السقم : هو المرض .